محمد بن جرير الطبري
465
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فتقدم إليهم بالزجر لهم عن أن يقولوا له من القول ما فيه جفاء ، وأمرهم أن يتخيروا لخطابه من الألفاظ أحسنها ، ومن المعاني أرقها . فكان من ذلك قولهم : ( راعنا ) لما فيه من احتمال معنى : أرعنا نرعاك ، إذ كانت المفاعلة لا تكون إلا من اثنين ، كما يقول القائل : " عاطنا ، وحادثنا ، وجالسنا " ، بمعنى : افعل بنا ونفعل بك - ( 1 ) ومعنى : أرعنا سمعك ، حتى نفهمك وتفهم عنا . فنهى الله تعالى ذكره أصحاب محمد أن يقولوا ذلك كذلك ، وأن يفردوا مسألته بانتظارهم وإمهالهم ، ليعقلوا عنه بتبجيل منهم له وتعظيم ، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء والتجهم منهم له ، ولا بالفظاظة والغلظة ، تشبها منهم باليهود في خطابهم نبي الله صلى الله عليه وسلم ، بقولهم له : ( اسمع غير مسمع وراعنا ) . يدل على صحة ما قلنا في ذلك قوله : ( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم ) ، ( 2 ) فدل بذلك أن الذي عاتبهم عليه ، مما يسر اليهود والمشركين . * * * فأما التأويل الذي حكي عن مجاهد في قوله : ( راعنا ) أنه بمعنى : خلافا ، فمما لا يعقل في كلام العرب . لأن " راعيت " في كلام العرب إنما هو على أحد وجهين : أحدهما بمعنى " فاعلت " من " الرِّعْية " وهي الرِّقبة والكَلاءة . والآخر بمعنى إفراغ السمع ، بمعنى " أرعيته سمعي " . وأما " راعيت " بمعنى " خالفت " ، فلا وجه له مفهوم في كلام العرب . إلا أن يكون قرأ ذلك بالتنوين ، ثم وجهه إلى معنى الرعونة والجهل والخطأ ، على النحو الذي قال في ذلك عبد الرحمن بن زيد ، فيكون لذلك - وإن كان مخالفا قراءة القراء - معنى مفهوم حينئذ . * * * وأما القول الآخر الذي حكي عن عطية ومن حكي ذلك عنه : أن قوله : ( راعنا )
--> ( 1 ) قوله : " ومعنى " معطوف على قوله آنفًا : " لما فيه من احتمال معنى : أرعنا نرعاك . . " . ( 2 ) وهي الآية التي تلي الآية التي يفسرها .